أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
105
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في الوصية أوصاني أستاذي أن خف من اللّه خوفا تأمن به من كل شيء ، واحذر قلبك أن يأمن من اللّه في شيء ، فلا معنى للخوف من شيء ، ولا للأمن من اللّه في شيء ، وحدد بصر الإيمان تجد اللّه في كل شيء ، وعند كل شيء ، ومع كل شيء ، وفوق كل شيء ، وتحت كل شيء ، وقريبا من كل شيء ، ومحيطا بكل شيء ، بقرب هو وصفه وبإحاطة هي نعته ، وعدّ عن الظرفية والحدود ، وعن الأماكن والجهات ، وعن الصحبة والقرب بالمسافات ، وعن الدور بالمخلوقات ، وامحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن وهو هو « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان » . وقال رضي اللّه عنه : أوصاني حبيبي أن لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب اللّه ، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية اللّه ، ولا تصاحب إلا من تستعين به على طاعة اللّه ، ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا باللّه وَقَلِيلٌ ما هُمْ [ ص : 24 ] . وقال رحمه اللّه مما يحكى عن أستاذه : اللّه والناس الناس ، نزّه لسانك عن ذكرهم ، وقلبك عن التماثيل من قبلهم . وعليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض وقد تمت ولاية اللّه عندك ، ولا تذكرهم إلا بواجب حق اللّه عليك وقد تم ورعك ، وقل : اللهم ارحمني من ذكرهم ومن العوارض من قبلهم ، ونجني من شرهم ، وأغنني بخيرك عن خيرهم ، وتولني بالخصوصية من بينهم ، إنك على كل شيء قدير . وقال رحمه اللّه : أوصاني أستاذي رحمه اللّه فقال لي : اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرهم ، فإن شرهم يصيبك في بدنك وخيرهم يصيبك في قلبك . وقال رحمه اللّه : لعدو ترجع به إلى مولاك خير لك من حبيب يشغلك عن مولاك . وقال رحمه اللّه : هوى بذنبه من غفل عن قلبه ، واتخذه لعبا من اشتغل بخلقه . وقال رحمه اللّه : قلما سلم من النفاق عبد يعمل على الوفاق . وقال رحمه اللّه : اجتمعت برجل في سياحتي فأوصاني ، فقال : ليس شيء في الأقوال أعون على حمل الأثقال من الأحوال ولا قوة إلا باللّه ، وليس شيء في الأفعال أعون من الفرار إلى اللّه والاعتصام باللّه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذّاريات : 50 ]